فضل زيارة قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم –
    

   الجزء الثالث

  
ـ قـال الـحـافـظ أبو الـعـبـاس الـقـسـطـلانـي الـمـصـري الـمـتـوفى (923) في المواهب اللدنية ـ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف ـ :" اعلم أن زيـارة قـبـره الشريف من أعظم القربات وأرجى الطاعات والسبيل إلى أعلى الدرجات , ومن اعتقد غير هذا فقد انخلع من ربقة الإسلام , وخالف اللّه ورسوله وجماعة العلماء الأعلام .
 وقـد أطلق بـعـض الـمـالكية , وهو أبو عمران الفاسي ـ كما ذكره في المدخل عن تهذيب الطالب لعبد الحق ـ : أنها واجبة قال : ولعله أراد وجوب السنن المؤكدة ,وقال القاضي عياض : إنها من سنن المسلمين مُجمع عليها وفضيلة مرغّب فيها، ثـم ذكـر جـمـلـةً مـن الأحاديث الواردة في زيارته (صلى الله عليه وسلم ) فقال : وقد أجمع المسلمون عـلـى استحباب زيارة القبور كما حكاه النووي , وأوجبها الظاهرية , فزيارته (صلى الله عليه وسلم ) مطلوبة بالعموم والخصوص كما سبق , ولأن زيارة القبور تعظيم , وتعظيمه (صلى الله عليه وسلم ) واجب , ولهذا قال بعض العلماء : لا فرق في زيارته (صلى الله عليه وسلم)صلى الله عليه وسلم بين الرجال والنساء , وإن كان محل الإجماع على استحباب زيارة القبور للرجال, وفي النساء خلاف , الأشهر في مذهب الشافعي الكراهة .
 قـال ابـن حبيب من المالكية : ولا تدع زيارة قبره (صلى الله عليه وسلم ) والصلاة في مسجده ، فإن فيه من الـرغـبـة مـا لا غـنـى بـك ولا بأحد عـنه , وينبغي لمن نوى الزيارة أن ينوي مع ذلك زيارة مسجده الشريف والصلاة فيه , لأنه أحد المساجد الثلاثة التي لا تُشدّ الرحال إلا إليها , وهـو أفضلها عند مالك , وليس لشدّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة فضل ، لأن الشرع لم يجئ به , وهذا الأمر لا يدخله قياس ، لأن شرف البقعة إنما يعرف بالنص الصريح عليه , وقد ورد النص في هذه دون غيرها. وقـد صـح أن عـمـر بـن عبد العزيز كـان يبرد البريد للسلام على النبي (صلى الله عليه وسلم) فالسفر إليه قـربـة لـعـموم الأدلة ومن نذر الزيارة وجبت عليه كما جزم به ابن كج من أصحابنا , وعبارته :إذا نذر زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم ) لزمه الوفاء وجها واحداً " انتهى إلى أن قال : ولـلـشـيـخ تـقي الدين ابن تيمية هنا كلام شنيع عجيب يتضمن منع شد الرحال للزيارة الـنبوية , وأنه ليس من القرب بل يضد ذلك , ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في شفاء السقام فشفى صدور المؤمنين .
 ـ ذكـر شـيـخ الإسلام أبو يـحـيـى زكـريـا الأنصاري الشافعي المتوفى (925) : في اسـنى المطالب شرح روض الطالب ـ لشرف الدين إسماعيل بن المقري اليمني ـ مـا يـسـتـحـب لـمـن حـج وقـال : ثـم يـزور قبر النبي (ص ) ويسلم عليه وعلى صاحبيه بالمدينة المشرفة ثم ذكر شطراً من أدلتها وجملة من آداب الزيارة .
ـ قـال ابـن حـجر الهيتمي المكي الشافعي المتوفى (973) في كتابه الجوهر الـمـنـظـم فـي زيـارة الـقـبر المكرم (ص 12) ـ طبع سنة (1279) بمصر ـ بعد ما استدل عـلـى مشروعية زيارة قبر النبي بعدة أدلة , منها الإجماع : فإن قلت : كيف تحكي الإجماع عـلـى مـشروعية الزيارة والسفر إليها وطلبها وابن تيمية ـ من متأخري الحنابلة ـ منكر لمشروعية ذلك كله كما رآه السبكي في خطه ؟ وقد أطال ابن تيمية الاستدلال لذلك بما تمجه الأسماع , وتنفر عنه الطباع , بل زعم حرمة السفر لها إجماعاً وأنه لا تقصر فيه الصلاة , وإن جميع الأحاديث الواردة فيها موضوعة , وتبعه بعض من تأخر عنه من أهل مذهبه .
 قـلت : من هو ابن تيمية حتى ينظر إليه أو يعول في شيء من أمور الدين عليه ؟وهل هؤلاء كما قـال جـماعة من الأئمة الذين تعقبوا كلماته الفاسدة وحججه الكاسدة , حتى أظهروا عوار سقطاته وقبائح أوهامه وغلطاته , كالعز بن جماعة : عبد أضله اللّه تعالى وأغواه ,وألبسه رداء الـخـزي وأرداه , وبـوأه مـن قـوة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان وأوجب له الحرمان ولقد تـصـدى شـيـخ الإسلام وعالم الأنام المجمع على جلالته واجتهاده وصلاحه وإمامته التقي الـسـبـكي ـ قدس اللّه روحه ونور ضريحه ـ للرد عليه في تصنيف مستقل أفاد فيه وأجاد , وأصاب , وأوضح بباهر حججه طريق الصواب ثم قال : "هـذا ومـا وقـع مـن ابن تيمية مما ذكر، وإن كان عثرة لا تقال أبداً , ومصيبة يستمر شؤمها سرمداً , وليس بعجيب فإنه سوّلت له نفسه وهواه وشيطانه أنه ضرب مع المجتهدين بسهمٍ صـائبٍ , ومـا درى الـمـحروم أنه أتى بأقبح المعائب , إذ خالف إجماعهم في مسائل كثيرة ,وتـدارك عـلـى أئمتهم سيما الخلفاء الراشدين باعتراضات سخيفة شهيرة , حتى تجاوز إلى الـجـناب الأقدس المنزه سبحانه عن كل نقص والمستحق لكل كمال أنفس , فنسب إليه الـكـبـائر والـعظائم , وخرق سياج عظمته بما أظهره للعامة على المنابر من دعوى الجهة والتجسيم , وتضليل من لم يعتقد ذلك من المتقدمين والمتأخرين , حتى قام عليه عـلـماء عصره وألزموا السلطان بقتله أو حبسه وقهره , فحبسه إلى أن مات , وخمدت تلك البدع ,وزالت تلك الضلالات , ثم انتصر له أتباع لم يرفع اللّه لهم رأساً , ولم يظهر لهم جاهاً ولا بـأسـاً , بـل ضـربـت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من اللّه ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون .
 ـ قـال الـشـيـخ مـحـمـد الـخـطـيـب الـشـربـيـنـي الـمـتوفى (977) , في مغني المحتاج : ومحل هذه الأقوال في غير زيارة قبر سيد المرسلين , أما زيـارتـه فـمـن أعظم القربات للرجال والنساء , وألحق الدمنهوري به قبور بقية الأنبياء والصالحين والشهداء, وهو ظاهر وإن قال الأذرعي : لم أره للمتقدمين , قال ابن شهبة : فـإن صـح ذلك فينبغي أن يكون زيارة قبر أبويها وإخوتها وسائر أقاربها كذلك فإنهم أولى بالصلة من الصالحين انتهى والأولى عدم إلحاقهم بهم لما تقدّم من تعليل الكراهة . وقـال فـي (ص 494) بعد بيان مندوبية زيارة قبره الشريف (صلى الله عليه وسلم ) وذكر جملة من أدلتها : ليس المراد اختصاص طلب الزيارة بالحج ، فإنها مندوبة مطلقاً كما مرَّ بعد حج أو عـمـرة أو قـبـلـهـمـا أو لا مع نسك ، بل المراد ـ يعني من قول المصنف بعد فراغ الحج ـ تأكد الزيارة فيها لأمرين أحدهما : أن الغالب على الحجيج الورود من آفاق بعيدة , فإذا قربوا من المدينة يقبح تركهم الزيارة والثاني : لحديث (( من حج ولم يزرني فقد جفاني )). رواه ابـن عدي في الكامل , وغيره وهذا يدل على أنه يتأكد للحاج أكثر من غيره , وحكم المعتمر حكم الحاج في تأكد ذلك .
 ـ قال الشيخ زين الدين عبد الرؤوف المناوي المتوفى (1031) في شرح الجامع الصغير : وزيـارة قـبـره (صلى الله عليه وسلم ) الـشريف من كمالات الحج , بل زيارته عند الصوفية فرض وعـنـدهـم الـهـجـرة إلى قـبـره كهي إليه حياً قال الحكيم : زيارة قبر المصطفى (صلى الله عليه وسلم ) هجرة المضطرين هاجروا إليه فوجدوه مقبوضاً فانصرفوا , فحقيق أن لا يخيبهم , بل يوجب لهم شفاعة تقيم حرمة زيارتهم . وقـال فـي شـرح الـحـديث الأول المذكور (ص 93) : إن أثر الزيارة إما الموت على الإسلام مـطـلـقـاً لـكـل زائر , وإمـا شـفـاعة تخص الزائر أخص من العامة , وقوله : (( شفاعتي)) فـي الإضافة إليه تـشريف لها ،إذ الملائكة وخواص البشر يشفعون , فللزائر نسبة خاصة ,فيشفع هو فيه بنفسه , والشفاعة تعظم بعظم الزائر. ـ جعل الشيخ حسن بن عمار الشرنبلالي في مراقي الفلاح بإمداد الفتاح ,فصلاً فـي زيـارة الـنـبي (صلى الله عليه وسلم ) وقال : زيارة النبي (صلى الله عليه وسلم ) من أفضل القربات وأحسن المستحبات ,تـقـرب من درجة ما لزم من الواجبات , فإنه (صلى الله عليه وسلم ) حرض عليها وبالغ في الندب إليها , فـقـال : ((من وجد سعة فلم يزرني فقد جفاني )) وقال (صلى الله عليه وسلم ) : (( من زار قبري وجبت له شـفاعتي )) وقال (صلى الله عليه وسلم ): (( من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي ))إلى غير ذلك مـن الأحاديث , ومـمـا هـو مـقـرر عـنـد المحققين أنه (صلى الله عليه وسلم ) حي يرزق ممتع بجميع الـمـلاذ والـعـبـادات , غير أنه حجب عن أبصار القاصرين عن شرف المقامات , ورأينا اكثر الـنـاس غافلين عن آدا حق زيارته وما يسن للزائر من الجزئيات والكليات , أحببنا أن نذكر بـعد المناسك وآدابها ما فيه نبذة من الآداب تتميماً لفائدة الكتاب ثم ذكر شيئاً كثيراً من آداب الزائر والزيارة كما يأتي . ـ وقال قاضي القضاة شهاب الدين الخفاجي الحنفي المصري المتوفى (1069) في شرح الـشـفـاء: واعـلـم أن هذا الحديث هو الذي دعا ابن تيمية ومن مـعه كابن القيم إلى مقالته الشنيعة التي كفروه بها , وصنف فيها السبكي مصنفاً مستقلاً , وهي منعه من زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم ) وشدِّ الرحال إليه , وهو كما قيل : لمهبط الوحي حقا ترحل النجب - وعند ذاك المرجى ينتهي الطلب . فـتـوهـم أنه حمى جانب التوحيد بخرافات لا ينبغي ذكرها , فإنها لا تصدر عن عاقل فضلاً عن فاضل سامحه اللّه تعالى . وإمـا قـولـه (صلى الله عليه وسلم ) : (( لا تتخذوا قبري عيداً )) فقيل : كره الاجتماع عنده في يوم معين على هيئة مخصوصة وقيل : المراد لا تزوره في العام مرة فقط بل أكثروا الزيارة له , وإمـا احـتـمـاله للنهي عنها فهو ـ بفرض أنه المراد ـ محمول على حالة مخصوصة ، أي لا تـتـخذوه كالعيد في العكوف عليه وإظهار الزينة عنده وغيره , مما يجتمع له في الأعياد , بل لا يؤتى إلا للزيارة والسلام والدعاء ثم ينصرف . وقـال )فـي شـرح حديث : (( لا تجعلوا قبري عيداً )) : أي كـالـعـيـد بـاجتماع الناس , وقد تقدم تأويل الحديث , وأنه لا حجة فيه لما قاله ابن تيمية وغيره ، فإن إجماع الأمة على خلافه يقتضي تفسيره بغير ما فهموه ، فإنه نزعة شيطانية .
ـ قـال الـشـيـخ عبد الرحمن شيخ زاده المتوفى (1078) في مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر: من أحسن المندوبات , بل يقرب من درجة الواجبات , زيارة قبر نـبـينا وسيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم ) , وقد حرض (صلى الله عليه وسلم ) على زيارته , وبالغ في الندب إليها بمثل قوله (صلى الله عليه وسلم ): (( مـن زار قـبـري )) فـذكـر سـتـة مـن أحاديث الباب , ثم قال : فإن كان الحج فـرضـاً فالأحسن أن يبدأ به إذا لم يقع فيه طريق الحاج المدينة المنورة ثم يثني بالزيارة , فإذا نواها فلينو معها زيارة مسجد الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ثم ذكر جملة كبيرة من آداب الزائر.


 

الهاشمي

 

 

الرئيسية | صفحات من الحجاز | آراء ومقالات | بيانات | صوت المعذبين |من فضائح النظام |  الإدانة | قصائد | مواقع أخرى