|
الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية
للعالم العلامة النحرير الفهامة الشيخ سليمان بن عبد الوهاب (
صفحة
24
)
الجزء الرابع
فصل
وعلى تقدير هذه الأمور التي تزعمون أنها كفر - أعني النذر وما معه - فهنا أصل آخر ما أصول أهل السنة مجمعون عليه كما ذكره الشيخ تقي الدين وابن القيم عنهم ، وهو أن الجاهل و المخطئ من هذه الأمة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً أو كافراً أنه يعذر بالجهل والخطأ حتى تتبين له الحاجة التى يكفر تاركها بيناً واضحاً لا يلتبس على مثله أو ينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعاً جلياً قطعياً يعرفه كلٌ من المسلمين من غير نظرٍ وتأملٍ ، كما يأتي إن شاء الله تعالى ، و لم يخالفْ في ذلك إلا أهل البدع .
فإن قلت قال الله عز وجل :
( من كفر بالله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم )(1)
الآية نزلت في مسلمين تكلموا بالكفر مكرَهين عليه .. هذا حق ، وهي حجة عليكم لا لكم .
فإن الذين تكلموا به هو سب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والتبرئ من دينه ، وهذا كفر إجماعاً يعرفه كل مسلم ، ومع هذا فإن الله عز وجل عذَرَ مَنْ تكلم بهذا الكفر مكرهاً ولم يؤاخذْه ، ولكن الله سبحانه وتعالى كفّر مَنْ شرح بهذا الكفر صدراً ، وهو من عَرَفَهُ ورَضِيَهُ واختاره على الإيمان غيرَ جاهلٍ به . وهذا الكفر في الآية مما أجمع عليه المسلمون ونقلوه في كتبهم كل من عد المكفرات ذكره.
هامش ______________________
1 - سورة النحل الآية. 16
الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية
للعالم العلامة النحرير الفهامة الشيخ سليمان بن عبد الوهاب
( صفحة
25)
وأما هذه الأمور التي تكفرون بها المسلمين فلم يسبقْكم إلى التكفير بها أحد من أهل العلم ولا عدُوها في المكفرات ، بل ذكرها من ذكرها منهم في أنواع الشرك ، وبعضهم ذكرها في المحرمات ، ولم يقلْ أحد منهم إن من فعله فهو كافر مرتد ، ولا احتجَ عليه بهذه الآية كما احتججتم ..
ولكن ليس هذا بأعجب من استدلالكم بآيات نزلت في الذين : ( إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون .
ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون )(1) ، والذين يقال لهم ( أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرىَ )(2) ، والذين يقولون ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارةً من السماء)
(3) ، والذين يقولون ( أجعل الآلهة إها واحداً )(4) ... ومع هذا تستدلون بهذه الآيات وتنزلونها على الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ، ويقولون ما لله من شريك ، ويقولون ما أحد يستحق أن يعبد مع الله .
فالذي يستدلُ بهذه الآيات على من شهد له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) و أجمع المسلمون على إسلامه ما هو بعجيب لو استدل بالآية على مذهبه .
هامش ______________________
1 - سورة الصافات الآيتين 35/ 36
2 - سورة الأنعام الآية 19
3 - سورة الأنفال الآية 32
4 - سورة ص الآية 5
الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية
للعالم العلامة النحرير الفهامة الشيخ سليمان بن عبد الوهاب ( صفحة
26 )
فإن كنتم صادقين ، فاذكروا لنا من استدل بهذه الآية على كفر من كفرْتموه بخصوص الأفعال والأقوال التي تقولون إنها كفر .
ولكن والله ما لكم مَثَلٌ إلا عبدالملك بن مروان لما قال لابنه : ( ادع الناس إلى طاعتك ، فمن قال عنك برأسه فقل بالسيف على رأسه هكذا ) يعني اقطعه .. فإنا لله وإنا إليه راجعون .
الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية
للعالم العلامة النحرير الفهامة الشيخ سليمان بن عبد الوهاب
( صفحة 27
)
فصل
وها هنا أصل آخر ، وهو أن المسلم قد يجتمع فيه المادتان : الكفر والإسلام ، والكفر النفاق ، والشرك والإيمان
(1)
..
و إنها تجتمع فيه المادتان ولا يكفر كفراً ينقل عن الملة كما هو مذهب أهل السنة والجماعة كما يأتي تفصيله وبيانه إن شاء الله ، ولم يخالفْ في ذلك إلا أهل البدع .
هامش ______________________
1 - يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) : ( إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة ، فأما لمة الشيطان فإعاد بالشر وتكذيب الحق ، وأما لمة الملك فإعاد بالخير وتصديق الحق ..)
أخرجه الترمذي / 2988 / عن عبد الله بن مسعود وقال (صلى الله عليه وسلم) ( لا يزني الزاني حين يزني وهم مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن ، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهم مؤمن ) .
أخرجه البخاري / 2475 - 5578 - 6772 / ومسلم /57 / والترمذي / 2625 / والنسائي / 4870 - 4871 - 4872 - 5659 - 5660 / وأبو داود / 4689 /وابن ماجه / 3936 /وأحمد / 7276 - 27419 - 8781 /والدرامي / 2106 / عن أب هريرة .
و قال (صلى الله عليه وسلم) : ( إذا زنى رجل خرج منه الإيمان كان عليه كالظلة ، فإذا انقطع رجع إليه الإيمان ) أخرجه أبو داود / 4690 / والترمذي / 3653 / والحاكم / 22 : 1 / عن أبي هريرة .
الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية
للعالم العلامة النحرير الفهامة الشيخ سليمان بن عبد
الوهاب
( صفحة 28 )
فصل
اعلم أن أول فرقة فارقت الجماعة الخوارج الذين خرجوا في زمن
علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وذكرهم رسول الله (صلى الله
عليه وسلم) وأمر بقتلهم وقتالهم وقال : ( يمرقون من الإسلام
كما يمرق السهم من الرمية ، أينما لقيتموهم فاقتلوهم )(1)
.
هامش ______________________
1 - الحديث له عدة روايات نذكر بعضها : فعن أبي سعيد الخدري قال : ( بينما كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقسم قسماً ، فأتاه ذو الخويصرة / وهو رجل من بني تميم ، فقال : يا رسول الله اعدل فقال : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل .
قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل فقال عمر : يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه فقال : دعه ، فإن له أصحاب يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم و صيامه مع صيامهم ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ( والترقوه هو العظم بين أعلى الصدر والعانق ) يمرقون ( أي ) يخرجون من الدين
كما يمرق السهم من الرمية ينظر من نصله ( أي رأس سهمه ) فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافة ( هو ما يلف على مدخل النصل في السهم ) فما يوجد فيه شيئ ثم ينظر إلى تضيِه ( وهو قِدحه ) فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه ( أي ريش السهم ) فلا يوجد فيه شيء .. قد سبق الفرث والدم .
آيتهم رجل أسود أحي عضديه مثل ثدي المرآة أو مثل البضعة ( أي قطعة لحم ) تدردر ( أي تضطرب وتتحرك ) ويخرجون على حين فرقة من الناس .
أخرجه البخاري / 3344 - 3610 - 5058 - 6931 - 6933 / ومسلم / 1064 / والنسائي / 2578 - 4101 /وأبو داود / 4764 - 4765 /وابن ماجه / 169 / وأحمد /10625 - 10734 - 10898 - 11096 - 1143 - 11185 - 11220 - 11227 - 11254 - 11298 / و مالك / 477 / وعن علي قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام ، يقول مِن خير قول البرية ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن قتلهم أجر من قتلهم يوم القيامة .
أخرجه البخاري / 3611 - 5057 - 6930 / ومسلم / 1066 /والنسائي / 4102 / وأبو داود / 4767 - 1468 / وأحمد / 674 - 708 - 1089 - 1305 - 1348 / عن علي بن أبي طالب .
وأخرجه مسلم / 1063 / وابن ماجه / 172 / وأحمد / 14390 - 14406 / عن جابر بن عبد الله .
و أخرجه الترمذي / 1288 / وابن ماجه / 168 / وأحمد / 3821 / عن عبد الله بن مسعود .
وأخرجه النسائي / 4103 / وأحمد / 19284 - 19307 / عن برزه الأسلمي .
و أخرجه ابن ماجه / 170 / وأحمد / 21021 /عن أبي ذر الغفاري .
وأخرجه أحمد / 12204 - 12475 / عن أنس بن مالك .
وأخرجه البخاري / 6934 / وأحمد 15547 / عن سهل بن حنيف .
الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية
للعالم العلامة النحرير الفهامة الشيخ سليمان بن عبد
الوهاب
( صفحة
29 )
وقال فيهم : ( إنهم كلابُ أهل النار )(1) .
وقال : ( إنهم يقتلون أهل الإسلام )(2) .
وقال : ( شرُ قتلى تحت أديم السماء )(3) .
وقال : ( يقرؤون القرآن ، يحسبونه لهم وهو عليهم )(4) .
إلى غير ذلك مما صح عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيهم .
وهؤلاء خرجوا في زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكَفروا علياً وعثمان ومعاوية و من معهم ، واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم ، وجعلوا بلاد المسلمين بلاد حرب وبلادهم بلاد الإيمان ، ويزعمون أنهم أهل القرآن ولا يقبلون من السنة إلا ما وافق مذهبهم ، ومَن خالفهم وخرج عن ديارهم فهو كافر، ويزعمون أن علياً والصحابة رضي الله عنهم أشركوا بالله ولم يعملوا بما في القرآن ، بل هم - على زَعْمهم - الذين عملوا به .
ويستدلون لمذهبهم بمتشابه القرآن ، ويُنْزِلون الآيات التي نزلت في المشركين المكذبين في أهل الإسلام ، وفي أكابر الصحابة عندهم ، ويدعونهم إلى الحق وإلى المناظرة ، وناظَرَهُم ابن عباس رضي الله عنهما . ورجع منهم إلى الحق أربعة آلاف ..
هامش ______________________
1 - أخرجه ابن ماحه / 176 / والترمذي / 3000 / عن أبي أمامة .
2 - جزء من الحديث الذي سبق تخريجه في الحاشية / 1 / من الصفحة السابقة وهذا اللفظ أخرجه البخاري / 7422/ ومسلم / 1064 / والنسائي / 2578 - 4101 / وأبو داود / 4764 / وأحمد / 11254 - 11298 / عن أبي سعيد الخدري .
3 - جزء من الحديث النبوي ورد في الحاشية / 1 / من هذه الصفحة ونص الحديث : ( شر قتلى قتِلوا تحت أديم السماء وخير قتيل من قتلوا كلاب أهل النار . قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفاراً ) أخرجه ابن ماجه / 176 / والترمذي / 3000 / عن أبي أمامة .
4 - لم أقف على تخريجه .
مشعل دعار
|