فضل زيارة قبر المصطفى- صلى الله عليه وسلم -
    

   الجزء الرابع

  
ـ قال الشيخ محمد بن علي بن محمد الحصني المعروف بعلا الدين الحصكفي الحنفي, الـمفتي بدمشق المتوفى (1088) في الدر المختار في شرح تنوير الأبصار ـ في آخـر كتاب الحج : وزيارة قبره (صلى الله عليه وسلم ) مندوبة بل قيل واجبة لمن له سعة , ويبدأ بالحج لو فرضاً ويخير لو نفلاً ما لم يمر به, فيبدأ بزيارته لا محالة , ولينو معه زيارة مسجده (صلى الله عليه وسلم ).
 ـ قـال أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي الزرقاني المالكي المصري المتوفى (1122) في شرح المواهب : قد كانت زيارته مشهورة في زمن كبار الصحابة معروفة بينهم , لما صالح عمر بن الخطاب أهل بيت المقدس جاءه كعب الأحبار فأسلم , ففرح به وقال : هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبره (صلى الله عليه وسلم ) وتتمتع بزيارته ؟ قال : نعم .
 ـ قـال أبو الـحـسـن الـسـنـدي محمد بن عبد الهادي الحنفي المتوفى (1138) في شـرح سـنـن ابـن مـاجـة : قـال الـدميري : فائدة : زيارة النبي (ص ) من أفضل الـطـاعـات وأعـظـم الـقـربـات لقوله (ص ) : (( من زار قبري وجبت له شفاعتي )) رواه الدار قطني وغيره , وصححه عبد الحق .
 ولقوله (صلى الله عليه وسلم ) : ( من جاءني زائراً لا تحمله حاجة إلا زيارتي كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة ).
رواه جـمـاعـة مـنـهـم الـحـافظ أبو علي بن السكن في كتابه المسمى بالسنن الصحاح , فهذان إمامان صححا هذين الحديثين , وقولهما أولى من قول من طعن في ذلك .
 ـ قـال الـشـيـخ مـحـمـد بـن عـلـي الـشـوكـانـي الـمـتـوفـى (1250) فـي نـيـل الأوطـار : قـد اختلفت فيها ـ في زيارة النبي ـ أقوال أهل العلم , فذهب الـجـمـهور إلى أنها مندوبة , وذهب بعض المالكية وبعض الظاهرية إلى أنها واجبة , وقالت الـحـنـفية : أنها قريبة من الواجبات , وذهب ابن تيمية الحنبلي حفيد المصنف المعروف بشيخ الإسلام إلى أنها غير مشروعة .
 ثم فصل الكلام في الأقوال , إلى أن قال في آخر كلامه : واحتج أيضاً من قال بالمشروعية , بأنه لـم يـزل دأب الـمـسـلمين القاصدين للحج في جميع الأزمان , على تباين الديار واخـتلاف المذاهب , الوصول إلى المدينة المشرفة لقصد زيارته , ويعدون ذلك من أفضل الأعمال , ولم ينقل أن أحداً أنكر ذلك عليهم , فكان إجماعاً.
 ـ قـال الـشـيـخ مـحـمـد أمين بـن عابدين المتوفى (1253) في رد المحتار على الـدر المختار عند العبارة المذكورة : مندوبة بإجماع المسلمين كما في اللباب ـ إلى أن قال ـ : وهل تستحب زيارة قبره (صلى الله عليه وسلم ) للنساء ؟.
 الـصـحـيـح : نـعـم , بلا كراهية بشروطها على ما صرح به بعض العلماء , إما على الأصح من مـذهـبـنا ـ وهو قول الكرخي وغيره ـ من أن الرخصة في زيارة القبور ثابتة للرجال والنساء جـمـيعاً فلا أشكال , وإما على غيره فذلك نقول بالاستحباب لإطلاق الأصحاب , بل قيل : واجـبـة ذكره في شرح اللباب , وقال : كما بينته في الدرة المضية في الزيارة المصطفوية ,وذكـره أيضاً الـخير الرملي في حاشية المنح عن ابن حجر وقال : وانتصر له نعم عبارة اللباب والفتح وشرح المختار انها قريبة من الوجوب لمن له سعة ـ إلى أن قال ـ : قـال ابـن الـهـمـام : والأولي فـيـمـا يقع عند العبد الضعيف , تجريد النية لزيارة قبره ـ عليه الصلاة والسلام ـ ثم يحصل له إذا قدم زيارة المسجد , أو يستمنح فضل اللّه تعالى في مـرة أخرى ينويها :لأن في ذلك زيادة تعظيمه (صلى الله عليه وسلم ) وإجلاله , ويوافقه ظاهر ما ذكرناه من قـولـه (صلى الله عليه وسلم ) : (( مـن جاني زائراً لا تحمله حاجة إلا زيارتي كان حقا علي أن أكون شفيعا له يوم القيامة )) انتهى .
 ونـقـل الرحمتي عن العارف الملأ جامي : انه افرز الزيارة عن الحج حتى لا يكون له مقصد غيرها في سفره , ثم ذكر حديث : لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد فقال : والمعنى كما أفاده فـي الإحياء : أنـه لا تشد الرحال لمسجد من المساجد إلا لهذه الثلاثة , لما فيها مـن المضاعفة , بخلاف بقية المساجد : فأنها متساوية في ذلك , فلا يرد أنه قد تشد الرحال لـغـيـر ذلك كصلة رحم وتعلّم علم , وزيارة المشاهد كقبر النبي (صلى الله عليه وسلم ) وقبر الخليل (صلى الله عليه وسلم ) وسائر الأئمة .
 ـ قـال الـشـيـخ مـحـمـد ابـن الـسيد درويش الحوت البيروتي المتوفى (1276) في تـعـليق حسن الإثر (ص 246) : زيارة النبي (صلى الله عليه وسلم ) مطلوبة ، لأنه واسطة الخلق ,وزيارته بعد وفـاتـه كالهجرة إليه في حياته , ومن أنكرها فإن كان ذلك إنكاراً لها من أصلها فخطؤه عظيم , وإن كان لما يعرض من الجهلة مما لا ينبغي فليبين ذلك .
 ـ قـال الـشـيخ إبراهيم الباجوري الشافعي المتوفى (1277) في حاشيته على شرح ابن الغزي على متن الشيخ ابي شجاع في الفقه الشافعي : ويـسـن زيـارة قـبـره (صلى الله عليه وسلم ) , ولـو لـغـيـر حـاج ومـعـتمر كالذي قبله , ويسن لمن قصد الـمـديـنـة الشريفة لزيارته (صلى الله عليه وسلم ) , أن يكثر من الصلاة والسلام عليه في طريقه , ويزيد في ذلك إذا رأى حرم المدينة وأشجارها , ويسأل اللّه أن ينفعه بهذه الزيارة ويتقبلها منه .
ثم ذكر جملة كثيرة من آداب الزيارة وألفاظها.
ـ جعل الشيخ حسن العدوي الحمزاوي الشافعي المتوفى (1303) خاتمة في كتابه كنز الـمـطـالـب لـزيـارة الـنـبي (صلى الله عليه وسلم ) وفصل فيها القول , وذكر مطلوبيتها كـتـابـاً وسنة وإجماعاً وقياساً , وبسط الكلام في شد الرحال إلى ذلك القبر الشريف , وذكر جـملة من آداب الزائر ووظائف الزيارة , وقال ـ بعد نقل جملة من الأحاديث الواردة في أن النبي (صلى الله عليه وسلم ) يسمع سلام زائريه ويرد عليهم ـ : إذا علمت ذلك علمت أن رده (صلى الله عليه وسلم ) سلام الزائر عليه بنفسه الكريمة (صلى الله عليه وسلم ) أمر واقع لاشك فيه , وإنما الخلاف في رده على المسلّم عليه من غير الزائرين , فهذه فضيلة أخرى عظيمة يـنـالـهـا الـزائرون لقبره (صلى الله عليه وسلم ) ، فيجمع اللّه لهم بين سماع رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم ) لأصواتهم من غـيـر واسطة وبين رده عليهم سلامهم بنفسه , فأنى لمن سمع لهذين ـ بل بأحدهما ـ أن يتأخر عن زيارته (صلى الله عليه وسلم ) ؟ أو يتوانى عن المبادرة إلى المثول في حضرته (صلى الله عليه وسلم ) ؟ تاللّه ما يتأخر عـن ذلـك مع القدرة عليه إلا من حق عليه البعد من الخيرات , والطرد عن مواسم أعظم القربات , أعاذنا اللّه تعالى من ذلك بمنه وكرمه آمين .
 وعـلـم مـن تلك الأحاديث أيضا ً أنه (صلى الله عليه وسلم ) حي على الدوام , إذ من المحال العادي أن يخلو الوجود كله عن واحد يسلم عليه في ليل أو نهار , فنحن نؤمن ونصدق بأنه (صلى الله عليه وسلم ) حي يرزق , وأن جـسـده الشريف لا تأكله الأرض , وكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ,والإجماع على هذا.
 ـ قـال الـسيد محمد بن عبد الله الجرداني الدمياطي الشافعي المتوفى في مصباح الظلام : قال بعضهم : ولزائر قبر النبي (صلى الله عليه وسلم ) عشر كرامات :- إحداهن : يعطى أرفع المراتب , الثانية : يبلغ أسنى المطالب , الثالثة : قضاء المآرب ,الرابعة : بـذل المواهب , الخامسة : الأمن من المعاطب , السادسة : التطهير من المعائب ,السابعة : تـسـهيل المصائب , الثامنة : كفاية النوائب , التاسعة : حسن العواقب , العاشرة :رحمة رب المشارق والمغارب وما أحسن ما قيل :
 هنيئا لمن زار خير الورى *** وحط عن النفس أوزارها.
فــإن السعـادة مضمونــة *** لمن حل طيبة أو زارهـــا.
وبـالـجملة ، فزيارة قبره (صلى الله عليه وسلم ) من أعظم الطاعات وأفضل القربات , حتى أن بعضهم جرى على أنها واجبة , فينبغي أن يحرص عليها , وليحذر كل الحذر من التخلف عنها مع القدرة , وخـصـوصاً بعد حجة الإسلام ، لأن حقه (صلى الله عليه وسلم ) على أمته عظيم , ولو أن أحدهم بجئ على رأسه أو على بصره من أبعد موضع من الأرض لزيارته (صلى الله عليه وسلم ) لم يقم بالحق الذي عليه لنبيه , جزاه اللّه عن المسلمين أتم الجزاء. زر من تحب وان شطت بك الدارـــــ وحال من دونه ترب وأحجار.
لا يمنعنك بعد عن زيارته ـــــ أن المحب لمن يهواه زوار.
ويسن لمن قصد المدينة الشريفة .
ثـم فـصـل القول في آداب الزيارة , وذكر التسليم على الشيخين , وزيارة السيدة فاطمة , وأهل البقيع والمزارات المشهورة , وهي نحو ثلاثين موضعاً كما قال .
ـ قـال الشيخ عبد الباسط ابن الشيخ علي الفاخوري ـ مفتي بيروت ـ في الكفاية لذوي العناية : الفصل الثاني عشر في زيارة النبي (صلى الله عليه وسلم ) وهي متأكدة مطلوبة ومستحبة مـحـبـوبة , وتسن زيارته في المدينة كزيارته حياً , وهو في حجرته حي يرد على من سلم عليه السلام , وهي من أنجح المساعي وأهم القربات وأفضل الأعمال وأزكى العبادات ,وقد قـال (صلى الله عليه وسلم ) : (( مـن زار قـبـري وجـبـت لـه شـفـاعـتي )) ومعنى وجبت : ثبتت بالوعد الـصـادق الـذي لا بـد من وقوعه وحصوله , وتحصل الزيارة في أي وقت , وكونها بعد تمام الحج أحب ,ويجب على من أراد الزيارة التوبة من كل شي يخالف طريقته وسننه (صلى الله عليه وسلم ).
 ثم ذكر شطراً وافراً من آداب الزيارة , والزيارة الأولى الآتية في الآداب , فقال : ومـن عـجـز عن حفظ هذا فليقتصر على بعضه وأقله السلام عليك يارسول اللّه ثم ذكر زيـارة الـشيخين إلى أن قال : ويستحب التبرك بالإسطوانات التي لها فضل وشرف , وهي ثـمـان : إسطوانة محل صلاته (صلى الله عليه وسلم ) , وإسطوانة عائشة ـ رضي اللّه عنها ـ وتسمى إسطوانة الـقـرعة , وإسطوانة التوبة محل اعتكافه (صلى الله عليه وسلم ) , وإسطوانة السرير , وإسطوانة علي (رضي الله عنه ) , وإسطوانة الوفود , وإسطوانة جبريل (عليه الصلاة والسلام ) , واسطوانة التهجد. ـ قال الشيخ عبد المعطي السقا في الإرشادات السنية (ص 260) : زيارة النبي (صلى الله عليه وسلم ) : إذا أراد الحاج أو المعتمر الانصراف من مكة ـ أدام اللّه تشريفها وتعظيمها ـ طـلب منه أن يتوجه إلى المدينة المنورة للفوز بزيارته ـ عليه الصلاة والسلام فإنها من أعـظـم الـقـربـات وأفضل الطاعات وأنجح المساعي المشكورة , ولا يختص طلب الزيارة بـالحاج غير أنها في حقه أكد ، والأولى تقديم الزيارة على الحج ـ إذا اتسع الوقت فإنه ربما يـعـوقـه عـنها عائق ، وقد ورد في فضل زيارته (صلى الله عليه وسلم) أحاديث , منها قوله (صلى الله عليه وسلم ) : (( من زار قـبـري وجـبـت لـه شـفاعتي )) , وينبغي الحرص عليها وعدم التخلف عنها عند القدرة عـلـى أدائها خـصوصاً بعد حجة الإسلام، لأن حقه (صلى الله عليه وسلم ) على أمته عظيم , وينبغي لمريد الـزيارة أن يكثر من الصلاة والسلام عليه (صلى الله عليه وسلم ) في طريق ذهابه إليها , وإذا وصلها استحب لـه أن يـغـتـسل ثم يتوضأ أو يتيمم ـ عند فقد الماء ـ ثم ذكر جملة من آداب الزيارة ولفظاً مختصراً من زيارة النبي (صلى الله عليه وسلم ) والشيخين .
 ـ قال الشيخ محمد زاهد الكوثري في تكملة السيف الصقيل (ص 156) : والأحاديث فـي زيارته (صلى الله عليه وسلم ) في الغاية من الكثرة , وقد جمع طرقها الحافظ صلاح الدين العلائي في جزء كما سبق , وعلى العمل بموجبها استمرت الأمة , إلى أن شذ ابن تيمية عن جماعة المسلمين في ذلك قال علي القاري في شرح الشفاء : وقد فرط ابن تيمية مـن الحنابلة حيث حرم السفر لزيارة النبي (صلى الله عليه وسلم ) كما أفرط غيره , حيث قال :كون الزيارة قـربـة مـعـلـوم من الدين بالضرورة , وجاحده محكوم عليه بالكفر , ولعل الثاني أقرب إلى الـصـواب ، لأن تحريم ما أجمع العلماء فيه بالاستحباب يكون كفراً , لأنه فوق تحريم المباح المتفق عليه .
فسعيه في منع الناس من زيارته (صلى الله عليه وسلم ) , يدل على ضغينة كامنة فيه نحو الرسول (صلى الله عليه وسلم ) , وكيف يتصور الإشراك بسبب الزيارة والتوسل في المسلمين الذين يعتقدون في حقه (عليه الصلاة والسلام ) أنـه عـبده ورسوله , وينطقون في صلاتهم نحو عشرين مرة في كل يوم ـ على أقل تقدير ـ إدامة لذكرى ذلك ؟.
 ولـم يـزل أهل الـعـلـم ينهون العوام عن البدع في كل شؤونهم , ويرشدونهم إلى السنة فـي الـزيـارة وغـيـرهـا إذا صـدرت مـنـهـم بدعة في شئ , ولم يعدهم في يوم من الأيام مـشـركـين بسبب الزيارة أو التوسل , كيف وقد أنقذهم اللّه من الشرك وأدخل في قلوبهم الإيمان , وأول مـن رمـاهـم بالإشراك بتلك الوسيلة هو ابن تيمية وجرى خلفه من أراد اسـتـبـاحة أموال المسلمين ودماءهم لحاجة في النفس , ولم يخف ابن تيمية من اللّه في رواية عد السفر لزيارة النبي (صلى الله عليه وسلم ) سفر معصية لا تقصر فيه الصلاة , عن الإمام ابن الوفاء بن عـقيل الحنبلي ـ وحاشاه عن ذلك ـ , راجع كتاب التذكرة له تجد فيه مبلغ عنايته بزيارة المصطفى (صلى الله عليه وسلم )والتوسل به كما هو مذهب الحنابلة .
 ثـم ذكـر كلامه وفيه القول باستحباب قدوم المدينة وزيارة النبي (صلى الله عليه وسلم ) , وكيفية زيارته , وزيـارة الـشـيخين , وكيفية زيارتهما , وإتيان مسجد قباء والصلاة فيه , وإتيان قبور الشهداء وزيارتهم , وإكثار الدعاء في تلك المشاهد ثم قال : وأنت رأيت نص عبارته في المسألة على خلاف ما يعزو إليه ابن تيمية .

 


 

الهاشمي

 

 

الرئيسية | صفحات من الحجاز | آراء ومقالات | بيانات | صوت المعذبين |من فضائح النظام |  الإدانة | قصائد | مواقع أخرى