|
فضل زيارة قبر المصطفى- صلى الله عليه وسلم ـ
الجزء الأول
في زيارة سيد الأولين والآخرين ـ صلوات اللّه عليه وسلامه ـ فكل ما ذكر يزيد عليه أضعافه اعني في الانكسار والذل والمسكنة ، لأنه الشافع المشفع الذي لا ترد شفاعته , ولا يـخـيـب من قصده , ولا من نزل بساحته , ولا من استعان أو استغاث به , إذ أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قطب دائرة الكمال وعروس المملكة ـ إلى أن قال ـ :
فـمـن تـوسـل بـه , أو اسـتـغاث به , أو طلب حوائجه منه , فلا يرد ولا يخيب لما شهدت بـه الـمـعـايـنـة والآثار , ويـحتاج إلى الأدب الكلي في زيارته عليه الصلاة والسلام , وقد قـال عـلـمـاؤنـا رحـمة اللّه عليهم : أن الزائر يشعر نفسه بأنه واقف بين يديه عليه الصلاة والسلام كما هو في حياته , إذا لا فرق بين موته وحياته ـ أعني في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم ـ ذلك عنده جلي لا خفى فيه ـ إلى أن قال ـ :
فالتوسل به ـ عليه الصلاة والسلام ـ هو محل حط أحمال الأوزار , وأثقال الذنوب والخطايا ، لان بركة شفاعته ـ عليه الصلاة والسلام ـ وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب إذ أنها اعظم من الجميع , فليستبشر من زاره , وليلجأ إلى اللّه تعالى بشفاعة نبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ من لم يزره , اللهم لا تحرمنا من شفاعته بحرمته عندك آمين رب العالمين , ومن اعتقد خـلاف هـذا فـهـو الـمحروم , ألم يسمع قول اللّه : ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرسول ) فمن جاه ووقف ببابه وتوسل به وجد اللّه تـوابا رحيما ، لأن اللّه منزه عن خلف الميعاد , وقد وعد سبحانه وتعالى بالتوبة لمن جاء ووقـف بـبـابـه وسأله واسـتغفر ربه , فهذا لا يشك فيه ولا يرتاب إلا جاحد للدين معاند للّه ولرسوله (صلى الله عليه وسلم ) , نعوذ باللّه من الحرمان .
ـ ألف الـشيخ تقي الدين السبكي الشافعي المتوفى (756) كتابا حافلا في زيارة النبي الأعظم في (187) صحيفة , وأسماه شفاء السقام في زيارة خير الأنام رداً على ابن تيمية , وذكـر كـثـيـرا مـن أحاديث الـبـاب , ثـم جـعـل بـابـا فـي نـصـوص الـعـلـمـاء مـن الـمـذاهـب الأربعة على استحبابها , وأن ذلك مجمع عليه بين المسلمين وقال في (ص 48): 5/ لا حاجة إلى تتبع كلام الأصحاب في ذلك مع العلم بإجماعهم وإجماع سائر العلماء عليه , والـحـنفية قالوا : إن زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) من افضل المندوبات والمستحبات , بل تقرب من درجة الواجبات , وممن صرح بذلك أبو منصور محمد بن مكرم الكرماني في مناسكه , وعـبد اللّه بن محمود بن بلدجي في شرح المختار , وفي فتاوى ابي الليث السمرقندي في باب أداء الحج .
وقال في (ص 59) : كيف يتخيل في أحد من السلف منعهم من زيارة المصطفى(صلى الله عليه وسلم) وهم مجمعون على زيارة سائر الموتى , وسنذكر ذلك وما ورد من الأحاديث والآثار في زيارتهم .
وحـكـى في (ص 61) عن القاضي عياض وأبى زكريا النووي إجماع العلماء والمسلمين على استحباب الزيارة .
وقـال في (ص 62) : وإذا اسـتـحب زيارة قبر غيره (صلى الله عليه وسلم) , فقبره أولى لما له من الحق ووجوب الـتعظيم , فان قلت : الفرق ـ يعني بين زيارة قبر النبي وغيره ـ أن غيره يزار للاستغفار له لاحتياجه إلى ذلك , كما فعل النبي (صلى الله عليه وسلم) في زيارته أهل البقيع , والنبي (صلى الله عليه وسلم)مستغن عن ذلـك قـلت : زيارته (صلى الله عليه وسلم) إنما هي لتعظيمه والتبرك به , ولتنالنا الرحمة بصلاتنا وسلامنا عـلـيـه , كـمـا أننا مأمورون بالصلاة عليه والتسليم وسؤال الوسيلة وغير ذلك مما يعلم انه حـاصـل لـه (صلى الله عليه وسلم) بـغـيـر سـؤالـنـا ، ولـكن النبي (صلى الله عليه وسلم) أرشدنا إلى ذلك لنكون بدعائنا له متعرضين للرحمة التي رتبها اللّه على ذلك .
فـإن قـلـت : الـفـرق أيضاً أن غـيـره لا يخشى فيه محذور وقبره (صلى الله عليه وسلم) يخشى الإفراط فـي تـعـظـيمه أن يعبد قلت : هذا كلام تقشعر منه الجلود , ولولا خشية اغترار الجهال به لـمـا ذكـرتـه , فـإن فيه تركا لما دلت عليه الأدلة الشرعية بالآراء الفاسدة الخيالية , وكيف تـقـدم عـلى تخصيص قوله (صلى الله عليه وسلم) : (( زوروا القبور )) ؟ وعلى ترك قوله : (( من زار قبري وجـبـت لـه شـفاعتي )) ؟ وعلى مخالفة إجماع السلف والخلف بمثل هذا الخيال الذي لم يـشـهد به كتاب ولا سنة ؟ بخلاف النهي عن اتخاذه مسجداً , وكون الصحابة احترزوا عن ذلـك المعنى المذكور ، لأن ذلك قد ورد النهي فيه , وليس لنا أن نشرع أحكاماً من قبلنا ( أم لـهـم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به اللّه ) فمن منع زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم () فـقـد شرع من الدين ما لم يأذن به اللّه , وقوله مردود عليه , ولو فتحنا باب هذا الخيال الفاسد لتركنا كثيرا من السنن بل ومن الواجبات .
الهاشمي
|
|