أشراف الحجاز والغزو الوهابي

                                                                                   
     الجزء الثاني

           في أواخر شهر محرم من سنة خمس وسبعين وصل إلى جدة مأمورون من طرف الدولة ومعهم أناس من كبار الإنكليز والفرنسيس، وكان نامق باشا بجدة، فعقدوا مجلساً معه واتفقوا على أنهم يُحضرون الناس المتهمين في أحداث هذه الفتنة ويقررونهم ويستنطقونهم كل واحد وحده حتى يقفوا على حقيقة الأمر ويعرفوا الذين قتلوا والذين نهبوا والذين هيجوا، فلما تم قرارهم على ذلك، صاروا يعقدون مجالس لا يحضر فيها نامق باشا وإنما يحضر هؤلاء المرخصون الذين جاءوا مرسلين من الدولة ومن الإنكليز والفرنسيس، وصاروا يقبضون على كل من صارت عليه تهمة ويحبسونه في موضع وحده ثم يحضرون كل واحد منهم وحده ويسألونه ويستنطقونه بغاية التلطف والتعظيم والتبجيل، ويحتالون عليهم بكل حيلة، ويكتبون كل ما يقول، فكان ملخص تلك الاستنطاقات أن أهل جدة الذين هاجوا في الفتنة وحصل منهم القتل والنهب قالوا: إنما كان ذلك منا بأمر من التجار وقاضي جدة الشيخ عبد القادر شيخ والأعيان، وسموا أناساً منهم، وقال الحضارون : أمرنا بذلك شيخ السادة السيد عبد الله باهارون وكبير الحضارم الشيخ سعيد العامودي، وقال شيخ السادة وسعيد العامودي وقاضي جدة وبقية التجار والأعيان: إنما كان ذلك منا بأمر من عبد الله المحتسب، وقال عبد الله المحتسب: إنما كان ذلك مني بأمر من إبراهيم آغا القائم مقام نامق باشا، هذا ملخص استنطاقاتهم، فإنها تتضمن الاعتراف بما وقع، والاعتراف بأنهم تسببوا في ذلك، إلا أنهم أسندوا ذلك لسعيد العامودي وعبد الله المحتسب والقائم مقام نامق باشا . وكان نامق باشا وهو بجدة يرسل إليهم سراً ويقول لهم: " الحذر أن تقروا بشيء من ذلك فإنه يصير عليكم ضرر كثير " ، فلم يمتثلوا ذلك، بل أقروا بذلك، وسببه أن المرخصين الذين حضروا من الدولة والإنكليز والفرنسيس كانوا يتلطفون بهم ويعظمونهم ويحتالون عليهم بكل حيلة ويقولون لهم: أخبروا بالواقع ولا يحصل لكم ضرر، ويسألون كل واحد وحده، فإذا نطق بشيء مخالف للواقع يقولون له إن فلاناً وفلاناً أخبرا بما هو كذا وكذا، وذلك يخالف ما تقول، ولا يزالون به حتى يطابق كلامه كلام غيره، فلما انتهت الأسانيد كلها إلى إبراهيم آغا القائم مقام نامق باشا، أحضروه وسألوه، فأنكر جميع ما نسبوه له وكذبهم ولم يقر بشيء واحتالوا عليه بكل حيلة فلم يقر بشيء، فحبسوه في موضع وحده، ثم حكموا عليه بالنفي مؤبداً، ثم بحثوا أيضاً عن الأشخاص الذين حصل منهم القتل والنهب فعرفوهم وحبسوهم، ثم تشاور هؤلاء المرخصون المرسلون من الدولة العلية ومن الإنكليز والفرنسيس فيما بينهم واتفقوا على أنه يُقتل عبد الله المحتسب وسعيد العامودي ونحو اثني عشر نفساً من عوام الناس الذين وقع منهم القتل، وأنه يُنفى من جدة شيخ السادة وقاضي جدة وبعض التجار بعضهم مؤبداً وبعضهم إلى مدة مؤقتة، ويُحبس كثير من الذين وقع منهم النهب بعد أن أحضروا كثيراً مما أخذوه، وأن ما بقي من الأموال المنهوبة يأخذون قيمته من الدولة العلية، فلما تم قرار مجلسهم على ذلك كتبوا كمبه مضبطة وختموها بأختامهم وأعطوها لنامق باشا وطلبوا منه تنفيذ ذلك على ما جاءه به الأمر من الدولة، فإنهم جاءوه بأوامر فيها الأمر له بتنفيذ ما يتفقون عليه، فنفذه ، فأخرجوا عبدا لله المحتسب وسعيد العامودي من الحبس وقتلوهما في سوق جدة على رؤوس الأشهاد، وقتلوا الاثني عشر الذين من عوام الناس خارج جدة، وكان ذلك اليوم يوماً مهولاً في جدة .
واشتد فيه الكرب على جميع المسلمين ، ثم نفوا من حكموا عليه بالنفي، فمنهم من قضى السنين التي أقتوها له ورجع إلى جدة، ومنهم من مات ولم يرجع إليها، فمن الذين رجعوا الشيخ عبد القادر شيخ قاضي جدة، والشيخ عمر بادرب والشيخ سعيد بغلف، ومن الذين لم يرجعوا وتوفوا وهم منفيون السيد عبد الله باهارون، والشيخ عبد الغفار، والشيخ يوسف باناجه رحمهم الله تعالى، وقبضوا من الدولة قيمة بقية الأموال المنهوبة وكان شيئاً كثيراً، هذا ملخص تلك الفتنة باختصار ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، فإن هذه القضية كانت من أعظم المصائب على أهل الإسلام ) . انتهى .
وقد ذكر هذه الحادثة العظيمة - أيضًا - أحمد الحضراوي في كتابه " الجواهر المعدة في فضائل جدة " ( ص 43-45 ) ، ووصفها بأنها " فتنة عظيمة " ، وقال " وكانت أحوال مزعجة لا يُطيق القلب سماعها ، تحتاج إلى مجلدات ، وإنما ذكرت هذه زبدتها ، ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ " ثم أشار إلى أن صاحب كتاب " مختصر تاريخ جدة " ذكرها بتفصيل دقيق. وقال الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في كتابه " تاريخ مدينة جدة " ( ص 75-76) : " فقتلوه - أي القنصل البريطاني - وقتلوا معه القنصل الفرنسي وبعض الإفرنج ونهبوا دورهم ، فما كان من دولة بريطانيا إلا أن أرسلت إلى جدة بعض قطع أسطولها تهديدًا ووعيدًا ، وقد ضربت جدة بالقنابل ، ولم تقم القلعة البحرية إزاءها بشيء من الدفاع يُذكر ، نظرًا لقدم مدافعها وتطور أساليب القتال " .
يتضح مما سبق ذكره من الوثائق أن دور أشراف الحجاز لم يكن دوراً هامشياً أو بلا رأي فشريف مكة هو الذي يرعى الحجيج ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وله رأي في الأمور المتعلقة بالحج أو بشؤون المسلمين وتأمين طرق المعتمرين والحجاج ، هذا بالإضافة لحماية كل المذاهب والأفكار ، ولذلك نرى أن كل شيوخ المذاهب كانت تأتي مكة المكرمة والمدينة المنورة للأخذ عن شيوخ مذهبهم أو للالتقاء بشيوخ المذاهب الأخرى ، مع التأكيد على أن غالبية أشراف الحجاز - إن لم يكن كل الأشراف في كل الأقطار - كانوا متصوفة ولذا نجدهم يعنون بمراقد أهل البيت والأولياء المدفونين في البقاع الطاهرة ، كما أن أهل الحجاز كانوا يثورون لكرامتهم وكرامة الإسلام حتى لو استشهدوا في سبيل ذلك .

وقد ظل هذا الوضع قائماً حتى وصول الوهابيين المتحالفين مع أبناء سعود إلى فرض التشدد والتطرف على كل أهل الحجاز ، وصبوا كل إرهابهم على الأشراف ربما كان ذلك لأنهم يعلمون أن ميراث الهاشميين يمنع استقرار حكمهم في الحجاز أو لأن الأشراف المتصوفة سيكونون مانعاً من نشر الفكر الوهابي ، ولا يخفى على أحد ما فعله الوهابيون ضد المقامات والأضرحة في البقيع ومكة وذلك خلال الدولتين الأولى والثالثة .

وقد اتخذ الملك عبد العزيز إجراء ًبراجماتياً ضد الأشراف عن دخوله الحجاز عند تأسيس الدولة الثالثة وهو ما أطلق عليه الشورى لأهل الحجاز .



خولة الهاشمي

 

 

الرئيسية | صفحات من الحجاز | آراء ومقالات | بيانات | صوت المعذبين |من فضائح النظام |  الإدانة | قصائد | مواقع أخرى